وسائل وأدوات لتطوير عبادة التأمل في الكون عند الأطفال copy
الأحد 1 ربيع الأول 1447هـ by ajjaj

وسائل وأدوات لتطوير عبادة التأمل في الكون عند الأطفال

أنعم الله تعالى على الإنسان بنعمة العقل وجعله مناطَ التكليف، وعندما يُعطل الإنسان عقله يهبط بنفسه عن التكريم الذي ميَّزهُ الله به عن سائر المخلوقات، وبينما تكتظ الحياة الحديثة بالكثير من الضوضاء والإلهاء وزخم المعلومات فإن قدرة الإنسان على التأمل في الخلق وذكر الله تعالى تتراجع بقوة، فكيف نعيدها إلى ما ينبغي أن تكون عليه؟ وكيف نربي أبناءنا عليها؟.

مفهوم التأمل

التأمل عبادة قلبية خالصة تُنمّي في النفس عظمةَ الله  وهي تُمارس بالقلب والعين.

هي عبادة انتهجها الأنبياء لأنها من أعظم العبادات، وكانت الأقرب إلى قلب المصطفى  قبل بعثته، فبها يتصل القلب بخالقه فيعرفه معرفة حب وحياء وخشية.

وقد يلتبس على بعض المسلمين مفهوم كلمة “التأمل”، لأن هناك الكثير من الأنواع المختلفة له، وبعضها يرتبط بالمعتقدات والممارسات الدينية التي تتناقض مع الإسلام. لكن التأمل بمعناه اللغوي هو مفهوم إسلامي ابتداء، فقد قَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار [آل عمران:190، 191].

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في الفوائد “الله  يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما؛ النظر في مفعولاته، والثاني؛ التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة “.

أهمية التأمل

إن خير ما ننشئ عليه أطفالنا هو التفكر والتبصر بمخلوقات الله واستشعار عظمته للوصول إلى إيمان صادق يباشر قلبوهم، فيكون حصناً لهم من فتن هذا الزمان، ويجعلهم يحيون في فهم لأسماء الله الحسنى، ولهدف وجودهم في الحياة، وفي انسجام مع الخلائق من حولهم، وفي سكينة تغشى قلوبهم. بالإضافة إلى فوائد أخرى كثيرة منها:

  1. زيادة التواضع للمسلم، لأنه يقف أمام ما يراه من عظمة صنع الله تعالى.
  2. يزيد حسن الثقة بالله، لأنه يرى معجزاته وبدائعه؛ ومن ثم الزيادة في محبتة .
  3. فتح الكثير من أبواب العلم أمام المسلم، لأن التأمل يجر وراءه الرغبة في اكتشاف الأمور.
  4. يُنمّي الإحساس بوجود الله ومراقبته، مما يجعل المسلم أكثر ابتعادًا عن ارتكاب المعاصي والذنوب.

كيف نطور هذه العبادة لدى أبنائنا؟

هناك العديد من الأساليب التي تُسهم في تنشئة الأبناء على هذه العادة العظيمة، ومن الأنسب أن ينوع المربي في الأساليب فلا يقتصر على أحدها لتكون النتيجة أقرب للتحقق، ومن المهم أن يحاول المربي نفسه تمثل هذه القيمة وتدريب نفسه عليها، واستشعارها في جميع أحواله، لتكون تربيته لأبنائه عليها تربية القدوة، تربية نابعة من القلب والفكر، لا مجرد كلام، فما ينبع من القلب يدخل إلى القلوب بسلاسة ويسر.

إثارة الفضول

لن يعرف الطفل في البداية أنه يقوم بعبادة عظيمة المكانة والقيمة، لكنه يحب بفطرته اكتشاف المخلوقات، لذا من المناسب استثمار هذا الفضول للتفكُّر في خلق الله وقدرته ، ويكون ذلك باحترام هذا الفضول ومساعدته على البحث عن إجابات، وعدم التضجر من أسئلته المتكررة بل تشجيعه عليها، واعتبارها دليلاً على أنه: مفكر صغير، بل وإثارة فضوله بسؤاله أسئلة مشابهة.

أفكار عملية:

  • السؤال عن جسم الإنسان وتركيبته المعقدة وقد نستعين بطبيب أو برنامج تعليمي ليجيبنا كيف نرى؟ وكيف نسمع؟ كيف تعمل أجهزة الجسم، ما مكونات الجسم؟
  • يبدي الكثير من الأطفال الاهتمام بالحيوانات، يمكننا استثمار ذلك بلفت نظر الطفل إلى التفكير بالعديد من الأسئلة: من علم هذا الكائن أن يحصل على طعامه؟ ماذا لو لم يكن للعصفور منقار؟ كيف تعرف السلحفاة البحرية التي فقست حديثاً طريقها إلى البحر؟ سبحان الخالق العظيم الذي دبّر كل شيء وجعل لكل حيوان خصائص تناسب طعامه وحياته. لابد بعد تجولنا وتفكرنا في المخلوقات أن نستدل على عظمة الخالق.

تدبُّر القرآن

إن الحرص على قراءة القرآن الكريم لتدبر معانيه وفهم الكون من خلاله يساعد على التأمل بشكل أعمق. فآيات كتاب الله تنسجم مع آياته في الآفاق والأنفس وكلها تدعو إلى التفكر والتدبر.

أفكار عملية:

  • عمل حلقات قرآنية أسبوعية يقرأ فيها الأب مع أبنائه القرآن الكريم ويتدبر معهم آيات القرآن، ويتباحثون في الآيات الإعجازية والعلمية منها، وذلك لتدريب الذهن على التفكُّر والتدبر أثناء قراءة القرآن.
  • الربط الدائم بين ما نراه حولنا وبين آيات تدلّ عليه في كتاب الله، فمثلاً حين نرى اخضرار الأرض في الربيع نتلو قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم:19]، وحين نتأمل قطعان الأغنام ترعى في السهول نتلو قوله تعالى وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النحل:6].

تهيئة البيئة

حين ينشأ الأطفال في بيئة مهيئة للتفكر، تحث على العلم، وتثمن التأمل فإنهم يكبرون وهم يعظمون هذه العبادة في أنفسهم، بخلاف من ينشأ في بيئة تفتقر إلى محفزات التعلم.

أفكار عملية:

  • عمل جناح في مكتبة البيت يكون مختصاً ببدائع الخالق جل وعلا مثل كتب الإعجاز العلمي والألبومات المصورة لبديع المخلوقات.
  • تخصيص ساعة أسبوعية يجتمع فيها أفراد الأسرة لمشاهدة فيلم علمي عن إعجاز الخالق ، مع فتح حلقة نقاشية يتم فيها طرح التساؤلات التي وردت في أذهانهم أو النقاط التي استرعت انتباههم أثناء المشاهدة، وجعل ذكر الله والتسبيح بعظمته مظلة عامة لتلك الجلسة.

الرحلات الاستكشافية

القيام برحلات استكشافية تزيد من المتعة، فالأطفال يحبون الرحلات، لذا لابد من اصطحاب الأطفال بشكل دوري إلى أماكن طبيعية وحثهم على التأمل في النبات والطبيعة والحيوانات.

أفكار عملية:

  • تأملوا بيت النمل في الغابة وكيف يعيش النمل بمجموعات منظمة، راقبوا النملات النشيطة التي لا تتوقف عن العمل لتوفير طعامها، تحدثوا عن تعليم الله النمل كيفية الاحتفاظ بطعامها، حيث تقوم النملة بشطر الحبة إلى نصفين بعد أن تنقل الحبوب إلى بيوتها كي لا تنبت هذه الحبة في بيتها، اربطوا الرحلة بالحديث عن قصة النملة وسيدنا سليمان في القرآن الكريم.
  • القيام برحلات لأماكن تتجلى فيها عظمة الخالق حيث المناظر الخلابة، من جبال وبحار وأنهار، مع تأمل الغيوم بأشكالها نهاراً، أو مناظر الغروب والشروق، أو المجموعات النجمية والمجرات ليلاً، ثم الحديث مع الأطفال أن الله الذي خلق كل هذه المخلوقات الجميلة عليم وخبير وبديع.

التكليف بالبحث

يمكن للمربّي أن يقيم مسابقات دورية بين أبنائه للقيام ببحوث علمية منوعة، بحيث يطرح سؤالاً يقومون بالبحث عن إجاباته في الموسوعات أو الأفلام العلمية أو سؤال العلماء، أو يمكن أن يكون البحث جمعاً لمواد طبيعية. المهم أن يكون البحث ممتعاً وألا يشعروا بأنه مهمة ثقيلة على نفوسهم.

أفكار عملية:

  • تكليف الأطفال بجمع أنواع مختلفة من أوراق الشجر ومن ثم التدقيق في الاختلافات بينها وتدوين ملاحظاتهم.
  • سؤالهم سؤالاً يحتاج إلى تفكير وبحث للإجابة مثلاً: لماذا اختار الله تعالى الأرض تحديداً من بين كواكب المجموعة الشمسية لحياة الإنسان عليها؟ وماهي ميزات كل كوكب؟

استثمار كل الفرص

لا يقتصر التفكر على الرحلات الاستكشافية أو الجلوس لقراءة كتاب علمي، بل إن كل لحظة نعيشها تمتلئ بالعديد مما يمكننا أن نتفكر به، فإذا حوّل الوالدان هذا التأمل إلى عادة يومية فإنه سيصبح صفة ملاصقة لأبنائهم مهما كبروا.

أفكار عملية

  • استثمار تجمع الأسرة على مائدة الطعام في التفكر في النعم الموجودة والمراحل الإعدادية التي مرت بها لتصل إليهم هكذا، ليُعيد الأب بذلك النعمة إلى صانعها ورازقها الله . يقول تعالى فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ۝ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ۝ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ۝ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا [عبس:24- 27].
  • استثمار أي موقف نصادفه مثل رؤية قطة ترضع صغارها، أو تشكل قوس المطر، أو ظهور براعم الربيع، لربط الطفل بأسماء الله الحسنى، فمن اتساع الكون نعرف أنه الواسع، ومن كثرة الكائنات وروعة جمالها نعرف أنه البديع، ومن إتقان كل شيء نعرف أنه العليم الخبير، ومن رحمة أمهات الحيوانات بصغارها نعرف أنه الرحيم، ومن ظهور البراعم نعرف أنه المحيي .

وختاماً، ليكن التأمل أسلوب حياتنا اليومي، ولنتمثّله في أنفسنا أولاً ثم لنحاول غرسه في أبنائنا، لعلنا نحظى بتلك السكينة التي يحرمنا منها أسلوب الحياة المعاصر اللاهث وراء المادة الغافل عن معنى الحياة الحقيقي.


 مراجع إثرائية