0010.jpg (كيف نربي الطفل على حب القراءة ؟)
الثلاثاء 4 ذو القعدة 1447هـ by ajjaj

كيف نربي الطفل على حب القراءة؟

القراءة تصنع العلماء والعظماء والمثقفين، والذي يقرأ يضيف إلى عقله عقولا؛ وإلى خبرته خبرات؛ وإلى عمره أعمارا، الذي يقرأ يُحلق في البلدان والأمصار المختلفة دون تذاكر أو عناء سفر، ويخترق الأزمنة والعصور ليأخذ منها العبر. بالقراءة نحصل على أهم المعلومات وأدقها بجهد يسير ووقت قصير. الشخص الذي يقرأ يستمتع بحياته ويكبر عقله وتتفتح آفاقه،؛ ولهذا علينا أن نربي أطفالنا على حب القراءة، وعلى قراءة الأجود والأهم والمفيد؛ فإن العمر قصير، وليس كل ما كُتب صحيح ويستحق القراءة، ولهذا فنحن بحاجة إلى توجيه أطفالنا إلى القراءة السليمة والنافعة، ومُعظَمُ الأطفال يفرون من القراءة لأنهم يتصورنها حملا ثقيلا كالواجب المدرسي؛ ونفوسهم تميل إلى اللهو واللعب؛ ولهذا وجب علينا أن نصحح هذا المفهوم؛ حتى تصبح القراءة متعة وضرورة وحاجة نحتاج إليها كالطعام؛ لأن الطعام غذاء الجسد، والقراءة غذاء العقل والقلب والروح.

ولا بد أن تكون القراءة جيدة كجودة الطعام ومتنوعة كتنوعه؛ حتى يستفيد الإنسان منها أتم الفائدة ويبني شخصية متكاملة مستقيمة، وعلينا أن نحرص على الدسم المفيد والحالي النافع، والسندوتشات (الكتيبات والمقالات القصيرة) عند الانشغال؛ فلا عذر من ترك القراءة ولو شيئا يسيرا نداوم عليه.

ومن تأمل تاريخنا المجيد وجده قائمًا على القراءة من أول بزوغه فأول سورة في القرآن نزلت (اقرأ)، وكان النبي  يفك الأسير المشرك المتعلم بعد أن يعلم مجموعة من الصحابة القراءة، ولنا حضارة ممتدة في الكتب والتصنيف والتراجم حينما كانت أمتنا تقود الأمم؛ ولهذا وجب علينا أن نعود إلى منهجنا ونهتم بالقراءة لأنها أول النهوض والمعرفة وعلينا أن نحبب أطفالنا في القراءة ونبذل جميع الطرق والوسائل التي تحببهم فيها، وفي هذا المقال سنذكر أهم الأفكار التي من خلالها نحبب القراءة إلى الطفل ثم بعض العوائق حتى تجتنب:

  1. لابد أن نغرس ثقافة القراءة في أطفالنا مُبكرا ومنذ نعومة أظفارهم؛ لأن الطفل الذي يعسر عليه التهجي والقراءة المبكرة ويكبر وهو ضعيف بها سيظل يتهرب منها بعكس الطفل الذي يتعلم القراءة مبكرا ويتفوق فيها؛ فتحبيب القراءة إلى الطفل يبدأ في المرحلة الأولى في تهجي الكلمات وتشجيع الطفل في قراءة العبارات التي تصادفه في البيت وفي الشارع وفي الإعلانات ثم قراءة الجمل والقصص المصورة ثم المقاطع والمقالات القصيرة وهكذا يستمر التشجيع إلى أن يصبح لدى الطفل نهم في القراءة والمطالعة. ويجب أن يستمر التشجيع؛ حتى لا يتوقف الطفل ويتبلد ويستثقل القراءة؛ فالقراءة مهارة تزداد بالمطالعة والتقويم.
  2. أن نتدرج في تحبيب الطفل إلى القراءة؛ فنبدأ معه أولا كهواية وهذا منذ صغره حتى لو لم يكن يعرف القراءة بعد؛ ونطورها حتى تصبح واجبا وجزءًا من ثقافة الطفل وحياته؛ وعملا رسميا؛ ووردا يوميا؛ يُعطى لها الوقت المناسب؛ ويتحين لها الفرص الملائمة، وحتى تصبح القراءة عادة من عادات الطفل فلنأخذ من وقته شيئا يسيرا ولو خمس دقائق يوميا نقرا عليه ونشاركه القراءة ويحبذ أن تكون قصة مفيدة وممتعة قبل النوم؛ وبالاستمرار ستجد أن الطفل أدمن على ذلك وهنا تنسحب تدريجيا ليقرأ بنفسه ما يفيد وينفع. وقد قيل: أي أمر إذا استطعت أن تمارسه لخمس دقائق يوميا فإنك بعد واحد وأربعين يوما سيصبح عندك عادة يصعب التخلص منها.
  3. اختر له ما يناسبه ويتناسب مع عمره وقدراته من الكتب والقصص والعبارات والأمثال لا ما يناسبك أنت؛ واحرص أن تكون (مفيدة – مؤثرة – قصيرة) حتى يستمتع الطفل بالقراءة ولا يشعر بالملل ويجد الفائدة سريعا. والأهم أن يكون جاذبا له وممتعا حتى ولو كان أسطورة كقصة عنترة بن شداد، فالمهم أولا أن يحب القراءة ويتعلق بها ثم يوجه للأكثر نفعا وفائدة. واعلم أن الكتاب الأول الذي ستعطيه الطفل سيغرس فيه حب القراءة أو النفور منها؛ ولهذا احرص على حسن اختياره.
  4. شارك طفلك القراءة؛ وتفاعل معه وهو يقرأ وشجعه وتلذذ بما يقرأه وقومه شيئا فشيئا، واعلم أن تفاعلك أثناء القراءة مع طفلك سيعمق حب القراءة في قلبه؛ فتقليد الأدوار ونبرات الصوت وتقاسيم الوجه وحركات الجسم بحسب الأحداث والأقوال والشخصيات يثير الطفل ويجعله يستمتع بالقراءة ويستمر ويتطور؛ بل يجعله يفهم ويحفظ ما قرأته وربما لا ينساه أبدا.
  5. استخدم أسلوب التشويق لاسيما في القصص؛ فإن مناقشة الطفل ومحاورته واستخدام أساليب التشويق والتوقعات الافتراضية أثناء القراءة أو بعدها؛ يجعل الطفل يستمر ويقرأ ويتابع ويتعلق بالقراءة ليعرف التفاصيل؛ كما يفعل مُخرجي ومنتجي السينما من التشويق بحيث يبقى المتابع مشدود الانتباه إلى آخر الحلقة، ومشتاقًا ومتلهفًا إلى متابعة الحلقة الجديدة وما ينتهي من حدث حتى يأتي له حدث آخر وتساؤل جديد؛ حتى يصبح كالمدمن على تلك المقاطع والمسلسلات؛ وهكذا تعامل مع الطفل واجعل القراءة كحلقات متتابعة مترابطة مشوقة ومملوءة بالتساؤلات والتوقعات والإجابات النافعة.
  6. اجعل من القراءة متعة وترويحا على النفس لا عقوبة؛ فالقراءة تشرح الصدر وتزيل الاكتئاب وتطور الذات؛ ولهذا نلاحظ في المعتقلات والإصلاحيات يضعون كتبا للمساجين للترويح على النفس وإصلاحها، وفعلا بعض المساجين تتغير حياته بسبب القراءة، وبعضهم يدخل في الإسلام وهو في السجن لأنه قرأ عن الإسلام أو قرأ ترجمة القرآن الكريم. ولهذا ارفع أمام طفلك شعارا “القراءة نعمة ومتعة”؛ واجعل من تكريمك له أن تهديه كتابا جميلا يناسبه أو قصة أو اصطحابه إلى المكتبة أو تقرأ معه شيئا معينا أو تكرمه بكتاب مهم لك يقرأ فيه؛ حتى يترسخ في ذهنه أن القراءة شيء جميل؛ ومنحة لا محنة، وروضة يستمتع بها القارئ؛ ولهذا يُستحسن أن يبدأ الطفل بقراءة ما فيه ظرافة وفكاهة، وأن ندخل الفكاهة والظرافة أثناء القراءة حتى ينجذب لها الطفل ويأخذ الفائدة والعبرة بسلاسة ومتعة.
  7. وفر لطفلك بيئة تحببه بالقراءة وتحثه عليها؛ وعرّفه على محبي القراءة واجعله على علاقة بهم؛ واصنع حوارا ونقاشا حول الكتب أو حول مسألة تستدعي البحث عنها في الكتب لمعرفة الصواب واجعل طفلك يشارك في ذلك وأعنه كيف يبحث ويقرأ واستمع لرأيه وتحليله وشجعه؛ اصطحب طفلك للمكتبات العامة والخاصة ونوادي القراءة والمجالس العلمية والثقافية والأدبية التي تتناسب معه؛ حتى يتولد عنده انطباع جيد عن القراءة ونهم للمطالعة.
  8. استفد من القصص المصورة وعروض الشرائح التي تجمع بين الصور والقراءة وكذلك البرامج والمسلسلات المترجمة الهادفة؛ فإن حبه للمتابعة والفهم سيجبره على القراءة ليكون أكثر فهما وإدراكا لها.
  9. اختر كتبًا ومواضيع تهم الطفل ومشاكله ومرحلته العمرية؛ فمثلا الطفل اليتيم لو أهديته كتابا عن يتيم ناجح لرأيته يتعلق بهذا الكتاب ويقرأه ويحاكيه لأنه يهمه، وكذلك الطفل عند البلوغ لو أعطيته كتابًا مستقيما حول البلوغ وكيف يتعامل مع جنسه وتغيراته لوجدته يقرأ الكتاب باهتمام، وكذلك سلسلة غزوات الرسول أو الفروسية والأبطال تجد الأطفال الذكور ينجذبون إليها لأنها تناسب فطرتهم؛ وهكذا بإمكانك أن تجذب الطفل للقراءة وتعالج مشاكله بالوقت نفسه؛ فمثلا إذا كان الطفل يكذب فتعطيه كتابا أو قصة عن الكذب ومعالجته؛ فهذا أفضل من التوبيخ والأوامر المجردة؛ وهناك كتب يحتاجها الطفل وسيقرأها إذا عرف أهميتها وأنها تلبي اهتمامه؛ كالأذكار وكتب بناء الذات وتنمية القدرات ومواجهة الحياة لاسيما في سن المراهقة وما بعدها.
  10. استثمر حب الطفل للاقتناء والتملك وساعده في تكوين مكتبته الجميلة النافعة؛ وحثه على المطالعة فيها.
  11. ذكِّره بفضل القراءة وأهميتها بشكل مستمر وبأساليب متنوعة حتى يترسخ ذلك في ذهن الطفل.
  12. ألحق الطفل بمدارس تعليم القرآن وعند مدرس بارع حتى يتدرج في تعلم كتاب الله وحفظه؛ وهذا كفيل بأن يصنع من الطفل قارئا ممتازا؛ لأن في القرآن أسرارًا وفصاحةً ورقيًّا.
  13. استثمر موهبة الحفظ عند الأطفال وحبهم لإثبات أنفسهم؛ وشجعهم على حفظ المتون النافعة، والأشعار والقصائد الحكيمة والجميلة والأمثال المعبرة فإن في ذلك إظهار ورفعة لهم سيجعلهم يزدادون تطلعا للمزيد، والمهم أن تبدأ بقصارها حتى يتمه الطفل.
  14. إذا أحسنت المكافأة المعنوية والمادية على القراءة والحفظ ستجد الطفل ينسجم مع القراءة والحفظ لاسيما مَن لديه موهبة الحفظ؛ وبدل أن تجعل مصروف الطفل اليومي دون مقابل بإمكانك أن توظف هذا المصروف للقراءة والحفظ فمثلا من أراد المال وحدد مبلغًا مشجعًا فليقرأ كذا أو فليحفظ كذا فإذا امتحنته فيه أعطه واستمر هكذا ستربط حاجته بالقراءة والتعليم، وكلما زاد زدته وهذه طريقة مجربة.
  15. حفزّه على المشاركة في المسابقات في مجال القراءة والحفظ داخليا وخارجيا ودوليا ومشاهدة هذه المسابقات والمشاركة فيها والسعي لأخذ المراكز الأولى فيها حافز عظيم يصنع من الطفل قارئا موهوبا.
  16. أدِر وقت الطفل واجعل اللهو واللعب خادمًا للقراءة والتعليم؛ والتوفيق بين الأمرين مهم؛ فوقت للتعليم ووقت للعب؛ ووقت اللعب بعد أداء الواجب؛ وأحيانا قد تقدم اللعب لكي ينشط الطفل للمذاكرة والقراءة ويقرأ بنفسية عالية.
  17. أشرِكه في الدورات المهارية في تعليم القراءة وعلامة الترقيم وإيقاع الحروف ونبراتها، والخط والشعر والأدب كل ذلك يجعل الطفل ينجذب للقراءة لأن اللغة العربية بذاتها جميلة وجذابة. ولا يشترط القراءة بحسب اللغة العربية فقط بل ينبغي تطوير الطفل ومهارته ولغته وثقافته فيتعلم العربية وغيرها.

هذه أهم العوامل التي تجعل من طفلك قارئًا ماهرًا. وهناك عوائق قد تصرف الطفل عن القراءة ينبغي الحذر منها؛ ومن أبرزها:

  1. السخرية والاستهزاء بالقراءة والقراء أمام الطفل أو بالطفل الذي يحب القراءة او بالطفل عندما يخطئ وهو يقرأ.
  2. ضعف القدوة أمام الأطفال ومشاهدتهم للكبار ومن يقتدون بهم؛ مشغولين عن القراءة والمطالعة؛ مضيعين لأوقاتهم؛ منهمكين في الأجهزة الإلكترونية وفي اللعب واللهو وفي المجالس وبدون قراءة؛ فإن ذلك يؤثر على الطفل سلبًا ويجعله يشعر بأن أمرنا له بالقراءة وحثه عليها مجرد تنظير؛ لهذا لابد أن تكون القراءة منهج البيت جميعا.
  3. القراءة المتقطعة والمشتتة والتنقل بين الكتب والتخبط في القراءة بدون منهجية سليمة يجعل الطفل ينقطع؛ ولهذا اجعل لطفلك منهجية في القراءة يبدأ بصغار الكتب قبل كبارها ويقرأ ما يحبه ويميل إليه ويناسبه، ولا ينتقل إلى كتاب آخر حتى يكمل الأول أو يكون هناك سببا وجيها للانتقال؛ وبهذا سيصبح الطفل يحب القراءة ويجني ثمارها.
  4. ثقافة أولياء الأمور القاصرة على أن الطفل فقط للهو واللعب وإضاعة الوقت تجعل من بعض الآباء عائقًا أمام القراءة وصارفًا فكلما توجه الطفل للقراءة صرفه عنها بغيرها.
  5. الشاشات والجوالات والأجهزة الذكية صرفت الأطفال عن القراءة وأثرت على مستواهم العلمي ولهذا ينبغي تجنيب الأطفال هذه الأجهزة أو ربطها بالقراءة كمكافأة إذا أتم واجبه وتوظيفها في التعليم وما ينفع.
  6. عدم جدية الأُمة في إعداد جيل قوي مستقيم متعلم؛ فتجد معظم المحيط بالطفل عبارة عن ملهيات ومغريات وصوراف عن القراءة وكان المفترض العكس.

وأخيرا؛ موضوع القراءة يستحق الاهتمام والجدية والتضحية حتى ينتج لنا جيلاً قارئا مثقفا متعلمًا قويًا وراقيا؛ فالقراءة أول النجاح وأساس التعليم والمعرفة. والقراء هم القادة. ومن يقرأ يتقدم ومن لا يقرأ يتقادم. ولا عذر لأحد في ترك القراءة حتى الشخص الذي لا يمتلك هواية القراءة عليه أن يقرأ من باب المصلحة ليستفيد ويفيد، فأي موضوع لن تحسنه حتى تقرأ وتطالع فيه، واعلم أن القراءة بشوق وتلهف ورغبة هي القراءة الفعالة المؤثرة ولهذا احرص على الترغيب والتشجيع والحث.

واعلم أيها المربي أن القراءة جزء مهم من التربية ويحمل عنك الكثير من العناء، وبالقراءة تجعل الطفل يربي نفسه بنفسه، وربما كلمة في كتاب تغير من حال طفلك وشخصيته للأفضل وتقوده إلى النجاح. ولا شك أن الشخص تتغير ثقافته وقناعته وسلوكه بعد القراءة؛ ولهذا احرص أن توجه طفلك نحو القراءة والقراءة النافعة الهادفة.