9
الثلاثاء 27 جمادى الآخرة 1445هـ by abofares

كيف نتعامل مع حالات الطفل الانفعالية؟

يوصف النمو العاطفي للطفل بأنه عملية تدرجية طبيعية ومستمرة، وتلعب المشاعر دورًا مهما  في هذا النمو، حيث يتعلم الطفل كيفية التعامل معها والتعبير عنها بشكل صحيح وفعال، ويُعتبر النمو العاطفي الصحي أمرًا حيويًا لتنمية الشخصية الكاملة للطفل والتأثير على سلوكه وتفاعلاته الاجتماعية في المستقبل.

يُعتبر النمو العاطفي للطفل مهماً بشكل كبير لأنه يؤثر على حياته العاطفية والاجتماعية والعقلية فيما بعد، وإذا كان الطفل يعاني من صعوبات عاطفية في سن مبكرة، فقد يؤثر هذا في  قدرته على تطوير العلاقات الاجتماعية والاستجابة العاطفية السليمة في الحياة اليومية.

وتلعب المشاعر دورًا حاسمًا في نمو الطفل، حيث تؤثر على سلوك الطفل وعلاقاته الاجتماعية والعاطفية. إذا كان الطفل قادرًا على فهم ومعالجة مشاعره بطريقة صحية، فسوف يكون قادرًا على تكوين علاقات ايجابية وتعلم مهارات اجتماعية هامة.

الأدوار الرئيسية التي تلعبها المشاعر في نمو الطفل

ومن بين الأدوار الرئيسية التي تلعبها المشاعر في نمو الطفل:

  1. تحسين الصحة العقلية: إذا كان الطفل يتعلم كيفية التعامل مع المشاعر السليمة، فسوف يتمتع بصحة عقلية جيدة ويكون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق وغيرها من الاضطرابات النفسية.
  2. تطوير الذكاء العاطفي: إذا كان الطفل يتعلم كيفية التعامل مع المشاعر بطريقة صحية، فسوف يتمكن من تطوير الذكاء العاطفي الذي يشمل فهم مشاعر الآخرين والتعامل معها بطريقة إيجابية.
  3. تطوير مهارات التواصل: إذا كان الطفل قادرًا على فهم مشاعره والتعبير عنها بطريقة صحية، فسوف يكون قادرًا على التواصل مع الآخرين بطريقة فعالة وبناءة.
  4. تطوير القدرة على التعاطف: إذا كان الطفل يتعلم كيفية التعامل مع المشاعر السليمة، فسوف يكون أكثر قدرة على فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معها، مما يساعد على فهم الآخرين وتكوين العلاقات الإيجابية.
  5. تطوير السلوك الإيجابي: إذا كان الطفل يتعلم كيفية التعامل مع المشاعر بطريقة صحية، فسوف يكون أكثر قدرة على تطوير السلوك الإيجابي الذي يعبر عن صحته النفسية والعقلية والعاطفية بشكل متوازن.

مراحل النمو العاطفي للأطفال

تختلف مراحل النمو العاطفي للأطفال وفقًا للعديد من العوامل، مثل الجنس والثقافة والبيئة المحيطة بالطفل. ومع ذلك، يمكن تقسيم مراحل النمو العاطفي للأطفال إلى المراحل التالية:

المرحلة الأولى (من الولادة حتى 6 أشهر)

في هذه المرحلة، يكون الطفل حساسًا للحواس المختلفة ويركز على تلبية الاحتياجات الفيزيائية مثل التغذية والراحة والنظافة. يتواصل الطفل بالبكاء والابتسام والحركات البسيطة. كما يتعرف الطفل على رائحة وصوت ولمس وجه الأم، وهذا يساعد في تكوين رابطة الارتباط المبكرة بين الأم والطفل.

وما إن يصل الطفل لعمر 3 أشهر تقريبًا حتى يبدأ في التعرف على الأشخاص المحيطين به ويبدأ بإظهار الاهتمام والابتسام عندما يرى وجوه مألوفة ويصاب بالملل حينما يكون بمفرده، وهنا نلاحظ أن بكاء الطفل يمتد للتعبير عن الحاجات العاطفية أيضاً، فضلا عن الحاجات الفيزيولوجية الأصلية.

المرحلة الثانية (من 7 أشهر حتى 18 شهرًا)

يبدأ الطفل في الاستجابة بشكل أكبر للعواطف والمشاعر لدى الآخرين، ويستطيع الآن إظهار العاطفة بطرق مختلفة مثل الضحك والابتسام والغضب. يبدأ الطفل أيضًا في استخدام الإيماءات الجسدية والتواصل غير اللفظي للتعبير عن المشاعر كالضحك والبكاء والابتسام.

المرحلة الثالثة (من 18 شهرًا حتى 3 سنوات)

يتمتع الطفل بالمزيد من الاستقلالية، وبالتالي تتميز عواطفه بالقدرة على التحكم، فنراه يتعلم كيفية تحديد مشاعر الآخرين تجاهه وأيضاً تحديد ردود أفعاله تجاههم. كما يبدأ التبادل العاطفي بالنمو تدريجيًا مع اللغة، حيث يصبح الطفل أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره بطريقة لفظية، فيبدأ الطفل يظهر لنا مهاراته في التعاطف والاهتمام والمودة والانتماء.

المرحلة الرابعة (4-6 سنوات)

يبدأ الطفل في التعبير عن المشاعر بشكل أوضح وأدق، ويبدأ في التفكير بشكل أكبر في المشاعر والمواقف الخاصة بالآخرين. فنراه يتطور في طريقة تعبيره عن الآخرين ومشاعره تجاههم. ففي ميدان اللعب على سبيل المثال نراه يستمتع باللعب مع الآخرين ويبدأ في تطوير المهارات الاجتماعية الخاصة بالجماعة كالتعاطف الجماعي والتعاون والتنظيم وأدوار الجماعة وغيرها. وعلى صعيد اللعب يبدو اهتمامه بالألعاب الجماعية واضحا، إذ تبدأ مهارات التفاوض والتنافس واضحة عند الطفل.

من جانب آخر نلاحظ تطوراً ملحوظًا في إدراك المشاعر السلبية، وبحسب جهود المربين معه فإنه يطور مهاراته في التعامل مع هذه المشاعر وحلها بطريقة صحية أو غير صحية.

المرحلة الخامسة (من 7 سنوات حتى 12 سنة)

يستمر الطفل في تطوير مهاراته الاجتماعية والعاطفية، ويتعلم كيفية التعامل مع المشاعر المختلفة وفهم أن الآخرين قد يختلفون عنه في ذلك. فيبدأ مفهوم الذات والآخر يتبلور لديه بشكل واضح، كما يتعلم الطفل أيضًا كيفية التعبير عن المشاعر بشكل صحي وفعال، وكيفية التعامل مع الصعوبات والمشاكل الاجتماعية. وهنا علينا أن نشير إلى أن مهارات الطفل في كل مرحلة ترتكز على مدى تطوره في المرحلة السابقة، لأنه في كل مرحلة يرتكز النمو العاطفي على ثمار المرحلة السابقة.

مؤشرات النمو العاطفي غير الصحي

في الأصل يتطور النمو العاطفي عند الأطفال بشكل تدريجي، مما يساعد الأطفال على فهم ذواتهم والتعايش مع الآخرين بشكل سليم وفاعل.

لكن هذه الأطوار الطبيعية قد لا يمر بها كل الأطفال، فهناك من يعاني من صعوبات معينة في هذا المجال مما يتسبب في معاناة بعضهم من أعراض اضطرابات مزاجية كالقلق والاكتئاب والصراعات المعرفية الأولية، وفي هذه الأحوال يعاني الطفل من صعوبات عاطفية تظهر في سلوكياته وحالته المزاجية من خلال:

  • ضعف تواصله مع الآخرين إذ يظهر من خلاله فشل الطفل في الانضمام إلى مجموعات اللعب من خلال ضعف مهاراته في الألعاب أو مزاجيته السلبية التي تفشل الألعاب، ما يؤدي إلى طرده من مجموعات اللعب، الأمر الذي ينعكس على نفسيته بشكل سلبي ملحوظ.
  • ضعف/فرط في الاستجابة للبيئة بما تحمله من مثيرات (ضوضاء، ضوء، صوت) أو تغييرات بيئية (سفر، تغيير المكان، زيارة أصدقاء جدد، تغيير الروضة أو المدرسة…)
  • تأخر ملحوظ في التطور المعرفي العقلي أو الحركي.
  • فقدان/ زيادة الوزن بشكل ملحوظ.
  • سلوكيات مؤذية للذات من مثل ضرب الراس بالجدار أو محاولات جرح اليد أو التهديد بذلك، أو إيذاء الآخرين كالإيذاء اللفظي أو العدوان الجسدي.
  • عدم القدرة على تكوين علاقات عاطفية جيدة مع المربين (الأهل، المشرف في دار رعاية الأيتام، مقدم الخدمة الاجتماعية، …الخ).
  • الانشغال بالتعزيزات السلوكية (الترغيب بكل أنواعه كالحلوى والمكافآت والثناء وغيرها) عن قيامه بالسلوك الأصلي العادي البسيط المطلوب منه والسبب هو ضعف الرغبة النفسية عن بذل أي مجهود حركي للتطوير الذاتي.

أسباب النمو العاطفي غير الصحي عند الأطفال

يمكن أن يكون هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى النمو العاطفي غير الصحي لدى الأطفال، ومن بين أهم تلك الأسباب:

  1. الإهمال العاطفي: عندما لا يحصل الطفل على الاهتمام والحنان الكافي من قبل الوالدين أو المربين، فقد يتطور لديه نمط علاقات عاطفية غير صحية (يحب الأقارب أو الغرباء بشكل مبالغ به ويتعلق بهم، يفضل المبيت عند أحد الأقارب هروبًا من الجو العائلي المتوتر أو المهمِل للطفل) وقد يعاني من عدم الثقة بالنفس أو عدم القدرة على التعامل مع المشاعر بشكل صحيح (كضعف قدرته على التوازن في مشاعره كالغضب والحب والاهتمام وغيرها).
  2. الإيذاء العاطفي: عندما يتعرض الطفل للإيذاء العاطفي من قبل الوالدين أو المربين، كالإهانة والتجاهل والتقييد والتلاعب، فقد يتأثر نمط تطور شخصيته وسلوكه بشكل سلبي.
  3. التعرض للإجهاد والصعوبات المعيشية: عندما يعاني الطفل من ظروف معيشية صعبة، مثل الفقر والعنف والتشرد، فقد يتأثر نموه العاطفي بشكل سلبي.
  4. الوراثة: يمكن أن يكون النمط العاطفي لدى الطفل مرتبطًا بعوامل وراثية مثل الاضطرابات العصبية والجينية التي تؤثر على الاستجابة العاطفية.
  5. الاضطرابات النفسية: مثل القلق والاكتئاب واضطرابات طيف التوحد وصعوبات التعلم، قد تؤثر على النمو العاطفي للأطفال بشكل سلبي.

وهو ما يحتم على الوالدين والمربين ضرورة الاهتمام بصحة النمو العاطفي لدى الأطفال، وتوفير البيئة الصحية والمناسبة لنموهم النفسي والعاطفي. كما يجب عليهم أن يعززوا الاتصال العاطفي مع الأطفال وتوفير الدعم العاطفي اللازم، بما في ذلك الاستماع لمشاكلهم وتقديم الدعم والمشورة عند الحاجة. كما يجب تعزيز الصحة العاطفية للأطفال من خلال تعليمهم كيفية التعامل مع المشاعر والعلاقات الإيجابية وتعزيز الثقة بالنفس والتحفيز على المشاركة في الأنشطة الإيجابية. كذلك مساعدتهم على فهم المشاعر السلبية وأسبابها وكيفية التعامل معها خلال المواقف الشخصية والاجتماعية.

ويمكن للمربى إذا لاحظ بعض مؤشرات النمو العاطفي غير الصحي لدى طفله أن يقوم بأحد أمرين أساسيين / أو هما معا، وهما:

أولاً: تحدث عن مشكلتك إلى مربٍ، قريب أو صديق ثقة، ذو خبرة تربوية واسعة حتى يتشارك معك الحالة فإن هذا التشاور قد يعطيك بعض المعلومات التي تساعدك في فهم حالة طفلك والتعامل معه بشكل أفضل.

وفي هذا السياق، أود أن أقدم لك باقة من السلوكيات تساعدك في تقويض الأزمة العاطفية التي يمر بها طفلك مثل: احرص على استعراض مهارات طفلك الإيجابية أمام أسرتك وكذلك أمام الآخرين (محمد مجتهد في الرياضيات وأنا فخور به، أنت رائع،..) واحرص على ألا تتكلم عن سمة يخلو منها طفلك فأطفالنا يعلمون صدق ما نقول فاحرص ألا تقع في كذب المبالغة. احرص على تقديم الدعم العاطفي له في المواقف اليومية، (الشكر إذا أدى لك معروفا بسيطاً مثلاً: إذا استجاب لطلبك بفتح الباب لاستقبال أخيه العائد من المدرسة، إظهار الامتنان له في سلوكياته وعاداته الحسنة: “أنا سعيد بك لأنك تنظف أسنانك كل يوم، ما شاء الله أنت تعرف كيف ترتدي لباس المدرسة أنت تكبر وأنا فرح بك، أصبحت تذهب للنوم بمفردك هذا رائع، …)، احضن طفلك كلما سنحت لك الفرصة، كلما شعرت أنه يحتاجك، ينظر في عينيك بابتسامة خجل وخصوصاً بعد قيامه بسلوك حسن، إذا انتاب طفلك نوبات من الغضب أو محاولات لفت الانتباه أو إيذاء الذات لا تصرخ فيه ولا تؤنبه بعبارات مؤذيه، بل عالج الغضب ونوبات الانفجار العاطفي بالاحتضان والتهدئة، لا داع للّوم فهذا الوقت ليس وقت تأديب وتربية ولا وقت تعليم، فقط اكتفِ بتذكيره بسلوكياته الحسنة وبامتيازاته، كن واثقًا أن هذا سيجعله يهدأ، يمكنك تذكيره بالضوابط السلوكية والأخلاقية في وقت لاحق.

ثانيًا: في حال تطور الحالة فقد تحتاج إلى التحدث إلى طبيب نفسي مختص، أو مرشد مدرسي عله يساعدك في وضع خطة تساعد طفلك على تطوير مهاراته وتخطي الصعوبات الانفعالية التي يعانيها، وبالتالي يجاري أقرانه في نمو عاطفي سليم.

وهكذا نجد -أيها المربون الكرام- أن الطفل يولد بأرضية نفسية متزنة -هي الفطرة التي فطر اللهُ الناس عليها-، ليأتِ دورنا -كمربين وراعيينَ لهذه الأمانة- بأن نُدعّمها بالأمان العاطفي فلا ابتزاز ولا عدوانية ولا صراخ أو نظرات تهكّم ولا سلطة في غير موضعها، لنتجنب كل ما يمكن أن يلوث تلك الفطرة الإلهية الطيبة، ولنحاول معًا أن نرعى أبناءنا بالحب ونغمرهم بالحنان ونؤدبهم بالحزم لا القسوة ، فهذا كان نهج نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، إننا إن فعلنا هذا أنشأنا جيلاً متوازنًا لا يتراكض وراء التفاهات، ولا ينخدع بالمظاهر، ولا تأسره الشهوات.